كشف موقع "ميدل إيست آي" عن وثائق أظهرت وضع المطربة الراحلة أم كلثوم على قوائم الاغتيالات الإسرائيلية، نظرًا لدورها الوطني في جمع التبرعات لصالح المجهود الحربي عقب هزيمة الجيش المصري في حرب يونيو 1967.

 

وقال إنه بعد مرور أكثر من 50 عامًا على وفاتها، كشفت روايات ظهرت حديثًا عن امرأة كان صوتها يُعتبر قويًا لدرجة أنه يُزعم أنه وضعها على قائمة اغتيالات إسرائيلية قبل عقود.

 

جسر عبر بلاد الشام

 

ووصف الموقع صوت أم كلثوم في مرحلة ما قبل تشديد الحدود بسبب الصراع، بأنه كان بمثابة جسر عبر بلاد الشام. بين عامي 1929 و1935، زارت فلسطين ثلاث مرات على الأقل، وقدمت عروضًا في المراكز الثقافية في يافا وحيفا والقدس.

 

وأضاف أن هذه الزيارات، التي وثّقها الموسيقي الفلسطيني واصف جوهرية تُسلط الضوء على فترة من النهضة الثقافية والحياة الفنية الثرية، حيث سافرت بالقطار بين المدن، وقدمت خلالها أعمالاً مبكرة مثل "إن غفرت" (المعروفة بـ قصيدة "كم بعثنا مع النسيم").

 

وخلال هذه الجولات، يُقال إنها نالت لقبها الأشهر. ووفقًا للروايات المحلية، هتف أحد المعجبين في مسرح بفلسطين، متأثرًا بأدائها: "كوكب الشرق".

 

وكانت هذه العروض دليلاً على وجود بيئة ثقافية فلسطينية مزدهرة تضمنت مشهدًا مسرحياً وأدبيًا نابضًا بالحياة، يضم شخصيات مثل جميل البحري ونجيب نصار- وهو عالم سيتم إسكاته إلى حد كبير بسبب أحداث النكبة عام 1948 .

 

مهمة وطنية


ومع تغير المشهد الجيوسياسي، قال الموقع إن النظرة إلى نفوذ أم كلثوم تغيرت أيضًا. ففي يوليو 1949، ذكرت صحيفة البلاغ المصرية أن إذاعة إسرائيل الرسمية كانت تبث يوميًا "أحكامًا بالإعدام" بحق أم كلثوم وفنانين عرب بارزين آخرين، من بينهم سليمة باشا مراد وسهام رفقي.

 

وكانت جريمتهم المزعومة هي حشد الروح المعنوية للرأي العام العربي ودعم الجيوش العربية خلال حرب 1948. وعلى الرغم من إسقاط هذه "الأحكام" المزعومة لاحقًا بعد اتفاقيات الهدنة لعام 1949، إلا أنها أرست سابقة خطيرة: فقد اعتبرت السلطات الإسرائيلية تأثيرها الثقافي مصدر قلق أمني وليس مجرد ترفيه.

 

لكن في أعقاب هزيمة عام 1967، والمعروفة باسم النكسة، دخلت حياتها السياسية فصلها الأكثر دراماتيكية.

 

فلم تسكت أم كلثوم، وتأملت لاحقًا في تلك اللحظة قائلة: "رفضت الاستسلام لليأس بعد نكسة عام 1967. لم يكن أمامي سوى خيارين: إما أن أصمت وأقبع في ركن الانهيار النفسي، أو أن أتقدم بسلاحي - صوتي - وأبذل قصارى جهدي في المعركة. اخترت الخيار الثاني"، كما صرحت في مقابلة مع مجلة الهلال في أكتوبر 1971.

 

وأطلقت "كوكب الشرق" حملة ضخمة لجمع التبرعات لدعم إعادة بناء الجيش المصري، واصفة نفسها بأنها في "مهمة وطنية". وانطلقت في تلك المهمة عبر مسارح العالم العربي، وفي النهاية إلى مسرح أولمبيا في باريس في نوفمبر 1967، حيث وصلت التوترات إلى نقطة الانهيار. 

 

كان الحفل نفسه استثنائيًا - يشير المؤرخ نامق سنان توران إلى أن مدير أولمبيا، برونو كوكواتريكس، دعا أم كلثوم بناءً على إلحاح الرئيس شارل ديجول، الذي قيل إنه كان حاضرًا. 

 

وقدّمها المذيع الإذاعي المصري جلال معوض قائلاً: "اليوم ستغني أم كلثوم في باريس، وغدًا في القدس المحتلة".

 

وبحسب ما ورد، هرع مدير المسرح إلى الكواليس مذعورًا، خوفًا من التداعيات السياسية. أما أم كلثوم، فقد ثبتت على موقفها، مؤكدةً أنها في مهمة وطنية، وحذرت قائلة: "إذا كان هذا يُخجلكم، فسنرحل".

 

وانتصرت في المواجهة، وتم تكرار الإعلان وسط تصفيق مدوٍ.

 

عملية "عيون البقرة"

 

بالاستناد إلى وثائق استخباراتية بريطانية وأمريكية رُفعت عنها السرية، يفصّل كتاب "أم كلثوم والموساد: أسرار عملية عيون البقرة"  للصحفي توحيد مجدي، والمكتوب باللغة العربية، كيف راقبت المخابرات الإسرائيلية أم كلثوم كجزء من عملية سرية .

 

ويروي الكتاب كيف قام عملاء إسرائيليون بتتبع أنشطتها لجمع التبرعات عن كثب، وراقبوا منزلها في القاهرة، وحاولوا زرع أجهزة تنصت، واستكشفوا طرقًا لترهيبها لحملها على التخلي عن دعمها المالي للجيش المصري.

 

وتشير التقارير الاستخباراتية المذكورة التي نشرها الكتاب إلى أنها جمعت أموالاً كافية لتمويل شراء 12 دبابة حديثة أو خمس طائرات مقاتلة.

 

ويصف الكتاب كيف أدرج جهاز المخابرات الخارجية الموساد أم كلثوم على ما يُسمى "قائمة التصفية"، وسعى لتنفيذ خطط للقضاء عليها، بما في ذلك محاولة زرع عميل يوناني متنكر بزي ممرضة لاستغلال حالتها الصحية المزمنة في الركبة بنية القتل. 

 

وبحسب التقارير، فشلت العملية، لكن هذه الحادثة أكدت مكانتها كرمز من رموز المقاومة العربية.

 

وفي عام 2020، قررت بلديتا اللد وحيفا تسمية شوارع باسم أم كلثوم كرمز للتعايش، مما أثار معارضة شديدة. واتهمها منتقدوها بأنها كانت تحمل آراء معادية لإسرائيل وبغناء أغنية بعنوان "اذبحوا اليهود".

 

وفي الواقع، تركز الجدل على أغنية " أصبح عندي الآن بندقية"، التي كتبها الشاعر السوري نزار قباني ولحنها المغني المصري محمد عبدالوهاب عام 1968. ولا تحتوي كلمات الأغنية على مثل هذه اللغة، بل تتحدث بلغة المقاومة والخسارة والتجريد من الممتلكات.

 

وعملت أم كلثوم مع فنانين يهود مصريين طوال مسيرتها الفنية، بمن فيهم الملحن المتميز داوود حسني، واسمه الحقيقي ديفيد حاييم ليفي. وكانت الممثلة اليهودية راقية إبراهيم من أقرب صديقاتها.

 

وفي الوقت نفسه، اتخذت أم كلثوم مواقف واضحة مناهضة للصهيونية والاستعمار، ولم تفصل فنها عن الحقائق السياسية التي تشكل المنطقة.

 

وتقول كلمات أغنية (أصبح عندي الآن بندقية):


أصبح عندي الآن بندقية

إلى فلسطين خذوني معكم

إلى ربىً حزينة

كوجه المجدلية

إلى القباب الخضر

والحجارة النبيَّة

..
عشرين عامًاً وأنا أبحث عن أرضٍ وعن هوية

أبحث عن بيتي الذي هناك

عن وطني المحاط بالأسلاك

أبحث عن طفولتي

وعن رفاق حارتي

عن كتبي

عن صوري

عن كل ركن دافئٍ

وكل مزهرية

إلى فلسطين خذوني معكم

يا أيها الرجال

أريد أن أعيش أو أموت كالرجال
..
أصبح عندي الآن بندقية

قولوا لمن يسأل عن قضيتي

بارودتي صارت هى القضية
..
أصبح عندي الآن بندقية

أصبحت فى قائمة الثوار

أفترشُ الأشواك والغبار

وألبس المنيّة
..
أنا مع الثوار

أنا من الثوار

من يوم أن حملت بندقيتي

صارت فلسطين على أمتار

يا أيها الثوار

فى القدس

فى الخليل

فى بيسان

فى الأغوار

فى بيت لحمٍ

حيث كنتم أيها الأحرار

تقدموا... تقدموا..

الى فلسطين طريق واحد

يمر من فوهة بندقية

 

وبحلول أوائل سبعينيات القرن العشرين، تدهورت صحتها. وخلال حقلها الأخير الذي غنت فيه أغنية " ليلة حب"، لاحظ الموسيقيون أن صوتها- الذي كان عادةً ما يتمتع بقوة جبارة- أصبح يرتجف. وعندما أسدل الستار للمرة الأخيرة، ساد صمت مطبق على المسرح.

 

وبعد مرور نصف قرن على وفاتها، لا تزال أم كلثوم أكثر من مجرد مغنية. إنها صدى في الإذاعة، ورمز لفلسطين عالمية مفقودة، وتذكير بأن الأغنية في الشرق الأوسط يمكن أن تكون قوية كالحصن.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/voice-rifle-umm-kulthum-became-target-mossad